الحلبي
339
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي كلام الشمس العلقمي : ولا يكره كونه من نحو حديد ونحاس ، لحديث الشيخين : « التمس ولو خاتما من حديد » فليتأمل . وعند عزمه صلى اللّه عليه وسلم على إرسال الكتب وتكلم مع أصحابه في ذلك خرج على أصحابه يوما فقال : « أيها الناس إن اللّه بعثني رحمة وكافة ، فأدوا عني رحمكم اللّه ، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم عليه السلام ، فقال أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم : وكيف اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام يا رسول اللّه ؟ قال : دعاهم لمثل ما دعوتكم له ، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم ، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وأبي ، فشكا ذلك عيسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم » . ذكر كتابه صلى اللّه عليه وسلم إلى قيصر المدعو هرقل ملك الروم على يد دحية الكلبي رضي اللّه تعالى عنه ، والدحية : بلسان اليمن الرئيس . وقيصر معناه في اللغة البقير لأنه شق عنه ، لأن أم قيصر ماتت في المخاض فشق عنه وأخرج فسمي قيصر ، وكان يفتخر بذلك ويقول : لم أخرج من فرج ، أي لأن كل من ملك الروم يقال له قيصر . كتب صلى اللّه عليه وسلم كتابا لقيصر يدعوه إلى الإسلام ، وبعث به دحية الكلبي رضي اللّه تعالى عنه ، وأمره أن يدفعه إلى قيصر ففعل كذلك ، أي بعد أن قال صلى اللّه عليه وسلم : « من ينطلق بكتابي هذا ، فيسير إلى هرقل وله الجنة ؟ » . وقيل أمر صلى اللّه عليه وسلم دحية أن يدفعه إلى عظيم بصرى وهو الحارث ملك غسان ليدفعه إلى قيصر . ولما انتهى دحية رضي اللّه تعالى عنه إلى الحارث أرسل معه عديّ بن حاتم رضي اللّه تعالى عنه ليوصله إلى قيصر ، فذهب به إليه ، فقال قومه لدحية رضي اللّه تعالى عنه : إذا رأيت الملك فاسجد له ، ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك . قال دحية رضي اللّه تعالى عنه : لا أفعل هذا أبدا ولا أسجد لغير اللّه ، قالوا : إذن لا يؤخذ كتابك ، فقال له رجل منهم : أنا أدلك على أمر يؤخذ فيه كتابك ولا تسجد له ، فقال دحية رضي اللّه تعالى عنه وما هو ؟ فقال : إن له على كل عتبة منبرا يجلس عليه ، فضع صحيفتك تجاه المنبر فإن أحدا لا يحركها حتى يأخذها هو ثم يدعو صاحبها ففعل ، فلما أخذ قيصر الكتاب وجد عليه عنوان كتاب العرب ، فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية ، ثم قال : انظروا لنا من قومه أحدا نسأله عنه ، وكان أبو